كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 3)

مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام -إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها.
وقال سفيان بن عيينة في قوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير (¬1).
ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، وقال: القصاص (¬2) القرآن (¬3).
والأولى حمل القصاص (¬4) على [قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين.
وعليه: فالمراد بالحياة الحياة الأخروية، وهي في الدنيا بالإيمان
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير الطبري" (2/ 115).
(¬2) في "م": "القصص"، والمثبت من "تفسير ابن أبي حاتم" (1/ 297).
(¬3) كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 442) إلى عبد بن حميد، ولفظه: "القصاص: قصص القرآن"، ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (1/ 297).
(¬4) في "م": "القصص".

الصفحة 347