كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه (اسم الجزء: 3)

وفيه: أن الإحسان الصوري ليس معتدًا به حتى يكون مقرونا بتقوى القلب، ولذلك جمع الله بينهما في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2].
واعلم أنَّ الله تعالى أمرنا في هذه الآية بالبر والتقوى، ولم يذكر ثوابهما فيها، وإنما ذكره في آيات أخر، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128].
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله عنه، وأحسنوا فيما أمرهم الله به.
وهذا أعم مما رواه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: اتقوا فيما حرم الله عليهم، وأحسنوا فيما افترض الله عليهم (¬1).
وهو موافق لما ذكره القشيري في الآية السابقة.
والمراد بهذه المعية معية الكَلأَة والحفظ، بحيث يكون العبد بالله في حركاته وسكناته، لا معية القدرة المشار إليها في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]؛ فإنها قد تكون للإضلال والانتقام.
قال ممشاء الدينوري - رضي الله عنه -: رأيت ملكا من الملائكة يقول لي: من
¬__________
(¬1) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (2/ 364)، والطبري في "التفسير" (14/ 198)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (5/ 180) إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.

الصفحة 372