كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)
امسحوا رؤوسَكُم بالماء، ونظيرُه قولُ الشاعرِ (¬1): [البحر الكامل]
ومَسَحْتِ بِاللِّثَتَيْنِ عَضْفَ الإثْمِدِ
يقولُ: إن لِثاتِك تضربُ إلى السُّمْرَةِ، فكأنكِ مَسَحْتِها بمسحوقِ الإثْمِدِ، فقلبَ مَعْمولَيْ مَسَحَ (¬2).
وذهبَ بعضُ من قالَ بالتقدير إلى أنَّ معناها التبعيضُ (¬3)، أي: من رُؤوسِكُم، وهو معنًى صحيحٌ شائعٌ في اللسانِ، قال به الكوفيون وبعضُ البَصْريين، قال عَنْتَرَةُ: [البحر الكامل]
شَرِبَتْ بِماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ ... زَوْراءَ تَنفِرُ عنْ حِياض الدَّيْلَمِ (¬4)
أي: من ماءِ الدّحرضين.
وأجابَ الشافعيُّ عن احتجاجِه بقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6]، فقال بِمَسْحِ الوجهِ في التَّيَمُّمِ بدلًا من غَسْلِه، فلا بدَّ أن يأتيَ بالمَسْحِ على جميعِ مواضِع الغَسْلِ منه، ومسحُ الرأسِ أصلٌ، فهذا فرقُ ما بينهما.
* ثم أمرهمُ اللهُ سبحانه بغسلِ الرِّجْلَيْنِ، أو مَسْحِهما، على اخْتِلافِ القراءتين.
¬__________
(¬1) هو خُفاف بن نُدبة، وصدر البيت:
كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديةٍ
وهو من "شواهد سيبويه" (1/ 9).
(¬2) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 88)، و"مغني اللبيب" لابن هشام (1/ 143).
(¬3) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (3/ 344)، و"فقه اللغة" للثعالبي (ص: 80)، و"المبسوط" للسرخسي (1/ 63).
(¬4) انظر: "ديوانه": (ص: 59).
الصفحة 107