كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

وأما الحديثُ الذي يدلُّ لهم، فالجوابُ عنه ممكنٌ، وهو أن يقال: إن هذا اللفظ للمبالغة كما بولِغَ بالقليلِ المحدودِ عن الكثيرِ في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بنى لله مسجِداً، ولو مثلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ (¬1)، بنى اللهُ له بيتاً في الجنة" (¬2).
ثم اختلف القائلون باعتبار النِّصابِ في قدره على أقوال كثيرة، والمشهورُ منها ثلاثة أقوال.
أحدها: قولُ مالِكٍ وأهلِ الحجاز (¬3): أنه ثلاثةُ دراهمَ من الفضة، وربعُ دينارٍ من الذهب، أو ما يساوي ثلاثةَ دراهمَ من سائِر الأشياء، فجعلَ الدراهمَ وربعَ الدينار أصلين في أنفسِهما، وجعلَ الدراهمَ أصلاً في غيرِهما.
واستدلُّوا (¬4) بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تُقْطَعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعداً" (¬5)، وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما -: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قطعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهم (¬6).
القول الثاني: ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنه ربعُ دينارٍ فقط (¬7)، وأنه أصلٌ
¬__________
(¬1) مفحص قطاة، مَفْحَص القطاة: حيثُ تُفرِّخ فيه من الأرض، قال ابن الأثير: هو مَفْعَل من الفحص كالأُفحوص، وجمعُه: مفاحص. "اللسان" (مادة: فحص) (7/ 63).
(¬2) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3155)، والبزار في "مسنده" (479)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 437)، عن أبي ذر الغفاري، بهذا اللفظ.
(¬3) وهو مذهب أحمد. انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (14/ 375)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 182)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 112).
(¬4) في "ب": "واستدل".
(¬5) تقدم تخريجه.
(¬6) تقدم تخريجه.
(¬7) انظر: "مختصر المزني" (ص: 263)، و"الحاوي الكبير" للماوردي =

الصفحة 139