كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

فذهبَ الشافعيُّ إلى عدمِ اشتراطِه، وله من الدليل هذه الآيةُ، وحديثُ ابنِ عمَر المتقدمُ، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ أنه قال (¬1): إنما حَكَم فيهم بشريعةِ الإسلام (¬2).
وذهبَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ إلى اشتراطِ الإسلامِ (¬3)، وأجابوا عن هذه الآيةِ بأنه حكمَ بشريعةِ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ، وكان ذلك قبلَ نُزولِ الحُدود، ولهم من الدليل قولُه تعالى: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: 44]، معَ تقييدِ قوله: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15].
قالوا: وشريعَةُ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا حتى يقومَ الدليلُ على تركِها.
وفي هذا الجوابِ نظرٌ من وجهين:
أحدهما: قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48]، فجعل الحكمَ لكتابنا المُنْزَلِ على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - المُصَدِّقِ لما بينَ يديهِ منِ الكتاب والمهيمنِ عليه.
وثانيهما: قوله في حديث ابن عمرِ: "ما تجدونَ في التوراة في شأن الرجم؟ "، وهذا يدلُّ على أن شريعتَه قد نزَلَتْ - عليهِ الصَّلاةُ والسلام (¬4) -.
¬__________
(¬1) في "ب" زيادة: "هنا".
(¬2) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (13/ 197)، و"أسنى المطالب في شرح روض الطالب" لزكريا الأنصاري (4/ 128).
(¬3) انظر: "المبسوط" للسرخسي (9/ 39)، و"أحكام القرآن" لابن عربي (1/ 517).
وروي عن أحمد روايتان، انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 43).
(¬4) تقدم تخريجه.

الصفحة 150