كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

ولهم من الدليلِ أنَّ الحِنْثَ قد يكونُ بغيرِ فِغلِ الحالِفِ، كما لو قالَ: واللهِ لا دَخَلَ زَيدٌ الدارَ.
وبظاهرِ الآيةِ تمسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكَفّارَةِ على الحِنْثِ، وهمُ الجمهورُ، ومنهمُ الشافعيّ ومالكٌ في أَحَدِ قولَيْه (¬1)، ويُروى عن أَرْبَعَةَ عَشَرَ صحابِيًّا (¬2).
وقالَ المُخالفونَ لهم: معناهُ: إذا حَلَفْتُم وحَنِثْتُم؛ لأن الكفارةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الإثمِ، ومعَ عَدَمِ الحِنْثِ لا إثْمَ، فَلا تكفير (¬3).
وقدِ اختلفَتْ رواياتُ الحَديثِ في ذلك، فروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني واللهِ -إن شاءَ اللهُ- لا أَخلِفُ على يَمينٍ، ثُمَّ أَرى خَيْراً مِنْها، إلَّا كَفّرتُ عن يَميني، وأتيتَ الذي هُوَ خَيْرٌ" (¬4)، وقال: "مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ، فرأى غيرَها خَيْراً منها، فَلْيَأتِ الذي هُو خَيْرٌ، ولْيُكَفّرْ عن يَمينِه" (¬5).
والأخذُ بتقديمِ الحِنْثِ أَحْوَطُ، وبِتَقديمِ الكَفّارَةِ أحسَنُ؛ للعملٍ بالحديثين، وتركِ الإبطالِ لأَحَدِهِما؛ فإنَّ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكّفارةِ، جَوَّز تأخيرَها، بل يَسْتَحِبُّهُ أيضاً، ومن أَوْجَبَ تأخيرَها، لا يُجَوِّزُ تقديمَها.
¬__________
(¬1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 162)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 291).
(¬2) انظر: "تفسر القرطبي" (6/ 257)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 109).
(¬3) انظر: "الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 75)، و"شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 83).
(¬4) رواه البخاري (2964)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (1649)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، عن أبي موسى الأشعري.
(¬5) رواه مسلم (1650)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، عن أبي هريرة.

الصفحة 183