كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

* فإن قال: فهلِ الأفضلُ الحِنْثُ والتَّكفيرُ، أو البِرُّ بِمُقْتَضى اليمين؟
قلنا: في ذلك تفصيلٌ:
فإن كانَ الحِلْفُ على فعلِ واجب، أو تركِ معصية، فالبرُّ واجبٌ، والحِنْثُ حَرامٌ، وعَكْسُهُ لا يَخْفى.
وإن كان الحَلْفُ على فعلِ مُباح (¬1)، أو تركِ مكروهٍ، فالِبرّ مستحبّ، والحِنْثُ مكروهٌ، وعكسُه لا يَخْفى (¬2).
وإن كانَ الحلفُ على فعلِ مباحٍ أو تركِه، فثلاثةُ أَوْجُهٍ للشافعيَّةِ، أصحُّها: البرُّ أفضلُ؛ لقوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وقيل: عَكْسُه، وقيل: هُما سواء، هكذا فَصَّلوه (¬3).
وقال بعضُ الفقهاءِ في المُباح: يجبُ النظرُ إليه، فإن كانَ فيه ضَرَرٌ وجبَ الحِنْثُ عليه، وحَرُمَ عليه البرّ، وإن كانَ فيه نفع استُحِبَّ له الحِنْثُ، وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأَنْ يلج أَحَدُكُمْ بيمينه في أهله، آثمُ له عِندَ اللهِ منْ أنْ يُعطِيَ كَفارَتَهُ التي فَرَضَ الله" (¬4)، وهذا عندَ التحقيقِ راجعٌ إلى قسمِ الواجِبِ المستحَب، والله أعلم.
* ثم أمر اللهُ سبحانَهُ أن نحفَظَ أَيْماننا.
فيحتمل أن يكونَ أرادَ الكَفَّ عن كثْرَةِ اليمينِ، حتى لا يعرضها للحِنْثِ.
¬__________
(¬1) في "أ": "مستحب".
(¬2) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 155)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 520).
(¬3) انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 388)، و "فتح الباري" لابن حجر (11/ 521).
(¬4) رواه البخاري (6250)، كتاب: الأيمان والنذور، في أوله، ومسلم (1655)، كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الإصرار على اليمين، عن أبي هريرة.

الصفحة 184