كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

* وقد أجمعَ المسلمونَ على تحريمِ قليلِها وكثيرِها، وأجمعوا على تحريمِ القَدرِ المُسْكِرِ من جميعِ الأنبِذَةِ (¬1).
* واختلفوا في القَدْرِ الَذي لا يُسْكِرُ.
فقالَ جُمهورُ فقهاءِ الحِجاز، وجُمهورُ المُحَدِّثينَ بالتسويَةِ بينَ قليلِها وكثيرِها، وأنهُ مُنْدَرِجٌ في اسمِ الخَمر (¬2).
وذهبَ فقهاءُ العراقِ والكوفةِ وأكثرِ أهلِ البَصرَةِ إلى التَّفرِقَةِ بينَ المُسْكِرِ وغيرِه، وأنَّ اسمَ الخمر ليسَ بواقع عليه (¬3).
فاحتجَّ الأَوَّلونَ للتَّحريمِ بما رواهُ أبو داودَ والترْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن جابر -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أَسْكَرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حَرام" (¬4)، وهذا نصٌّ في مَحَل الخِلاف.
واحتجُّوا لوقوعِ اسمِ الخمرِ عليه باللُّغَةِ والشَّرعِ.
- أما اللغةُ، فإنه شرابٌ يُخامِرُ العقلَ، ولهذا قالَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: والخمرُ ما خامَرَ العقل.
¬__________
(¬1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 166)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 24)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 345).
(¬2) انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص: 64، 111).
(¬3) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 123)، و "المبسوط" للسرخسي (24/ 13).
(¬4) رواه أبو داود (3681)، كتاب: الأشربة، باب: النهي عن المسكر، والترمذي (1865)، كتاب: الأشربة، باب: ما جاء: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وابن ماجه (3393)، كتاب: الأشربة، باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام. وقد رواه النسائي (5607)، كتاب: الأشربة، باب: تحريم كل شراب أسكر كثيره، لكن عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

الصفحة 187