كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

أهلِهِما؛ لقربِ اطِّلاعِهِما على باطنِ حالِهِما، وقُوَّةِ عِلْمِهِما بِمَصالِحِهما.
روى بَكُرْ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ قال: كانَ رَجُلانِ من الأعرابِ مُحرِمَيْنِ، فحاشَ (¬1) أحدُهُما صيداً، فقتلَهُ الآخَرُ، فأَتيَا عُمَرَ وعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، فقالَ لهُ عُمَرُ: ما ترى؟ قال: شاةٌ، قال: وأنا أَرى ذلك، اذهبا واهدِيا شاةً، فلما مَضَيا قالَ أحدُهُما لصاحِبهِ: ما درى أميرُ المؤمنينَ ما يقولُ حتى سَأَلَ صاحِبَهُ! فسمعَهُ عُمَرُ، فردّهما، فقال: هل تقرأان "سورة المائدة"؟ فقالا: لا، فقرأ عليهما: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} [المائدة: 95]، ثم قال: استعنْتُ بصاحِبي هذا (¬2).
* وقد اتفقوا على أنه لا بُدَّ من ذوي العدلِ.
* وإذا حكم ذوا عدل من الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- في مِثْلٍ، فلا يُعاد فيهِ الحُكْمُ عندَ الشافِعِيِّ؛ لأنها قضيةٌ معقولةُ المعنى حَكَمَ فيها عَدْلانِ، فوجبَ علينا تنفيذُ حُكْمِهِما واتباعُه (¬3).
وقال مالِكٌ: يستأنف الحكم، وكأنه اعتقده عِبارةً غيرَ مَعقولةِ المَعْنى، فوجبَ الإتيانُ بِها عندَ وجودِ سَبَبِها، وهذا في غيرِ مَحَلِّ الإجماعِ والنَّصّ، وأما الإجماعُ والنصُّ فلا يُعاد فيه الحكمُ، قولاً واحداً (¬4).
¬__________
(¬1) حاش: حُشْنا الصَّيْدَ، حوشاً وحِياشاً، وأحَشْناه وأَحْوَشْناه: أخذناه من حواليه لنَصْرَفه إلى الحبالة، وضممناه.
وحُشتُ عليه الصيد والطين، حوشاً وحياشاً، وأحشه عليه وأحوشته عليه وأحوشته إياه، عن ثعلب: أعنته على صيدهما. "اللسان" (مادة: حوش) (6/ 290).
(¬2) رواه الطبري في "تفسيره" (7/ 48).
(¬3) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (4/ 291)، و"المهذب" للشيرازي (1/ 216).
(¬4) انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 261).

الصفحة 209