كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

* فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ الجاني أحدَ الحَكَمَيْن؟
قلت:
يحتملُ أن يجوزَ؛ لأن الله سبحانه لم يشترطْ إلا ذَوَيْ عَدْلٌ، وهو عدلٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ في أحدِ قولَيْه (¬1).
ويحتمل أَلَّا يجوزَ، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ؛ لأن مضمونَ الخِطاب يَقْتَضي جانياً وحَكَمَيْنِ، والأصولُ تقضي أنه لا يجوزُ أن يَحكُمَ لِنَفْسِه (¬2).
وللشافعيّ أن يقولَ: هو حاكمٌ على نفسه، لا لها، وأنه مُفْتٍ، لا حاكمٌ وقوله: {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95]، أي: يفتي بحُكْم الله تعالى فيه.
* واتفقوا على أنه لا بُدَّ من بُلوغِ الهديِ مَكَّةَ؛ لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95].
* واختلفوا في الاكتفاء بالحَرَمِ.
فأقامَهُ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ مقامَ مَكَّة (¬3).
وأباه مالكٌ؛ لتَخْصيصه بالكَعْبَةِ (¬4)، واستثنى هديَ الفِنيَةِ، فأجازه بغيرِ
¬__________
(¬1) وهو مذهب الحنابلة. انظر: "الشرح الكبير" للرافعي (7/ 503)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 270).
(¬2) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 195)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 313).
(¬3) انظر: "المجموع" للنووي (7/ 400)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 352).
(¬4) المقصود: الذبح بمكة لا عند الكعبة والمسجد الحرام، فقد أجمعوا أنه لا يجوز الذبح في المسجد الحرام ولا في الكعبة. انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (4/ 299).

الصفحة 210