كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

ورُوي عن عَلِيٍّ أنه كانَ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ -رضي الله تعالى عنهما- فَأُتِي عثمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ، فأكلَ عثمانُ، وأبى عليٌّ أن يأكل، فقال: واللهِ ما صِدنا، ولا أَمَرنا، ولا أشَرنا، فقال عليٌّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (¬1) [المائدة: 96].
ورويَ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه كَرِهَ لَحمَ الصيدِ وهو مُحرِم، أُخِذَ لَهُ، أو لَمْ يُؤْخَذْ، وإن صادَهُ الحَلالُ (¬2).
وعن أبي هريرةَ مثلُه، وكذا عنِ ابنِ عَمرٍو، وسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ مثلُه أيضاً (¬3).
ولهم من الدَّليلِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ الثابتِ في "الصحيحين": أنه أَهْدَى إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حِماراً وحْشياً، وهو بالأَبْواءِ، أو بِوَدّانَ، فردَّه عليهِ، فلما رأى ما في وَجْهِهِ قال: "إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلَّا أنا حُرُمٌ" (¬4).
وذهبَ أكثُر الناسِ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ، فقال بعضُهم -وأظنُّه أبا حنيفة (¬5): يحرُم عليهِ إن صادَهُ، أو صيدَ بإذنِه، أو دِلاَلتِه، وإن صيدَ بغيرِ
¬__________
(¬1) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (5/ 71)، عن الحارث بن نوفل، عن أبيه.
وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 199).
(¬2) روى ابن جرير الطبري في "تفسيره" (5/ 75)، عن ابن عباس: أنه قال في الآية: جعل الصيد حراماً حلال، وإن صاده حرام لحلال، فلا يحل له أكله.
(¬3) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (4/ 428)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (3/ 308)، و"تفسير الطبري" (7/ 71).
(¬4) روى البخاري (1729)، كتاب: الإحصار وجزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل، ومسلم (1193)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي.
(¬5) "أبا حنيفة": ليس في "أ".

الصفحة 217