كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

روى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنه قال: إن الزَّكاةَ والصومَ فُرِضا في المدينة، فكيف نقولُ: إن قولَه تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} إن المرادَ بها الزكاة، والأنعامُ مَكِّيّةٌ؟.
فذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخة بآية الزكاة (¬1).
ويروى عن عِكْرِمَةَ، والضحّاك، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَير (¬2)، قال سُفْيانُ: سألتُ السُّدِّيَّ عن هذه الآيةِ، فقالَ: نسخَها العُشْرُ، وَنصفُ العُشْرِ، فقلتُ عَمَّنْ؟ قال: عن العلماء (¬3).
وذهبَ الجُمهور إلى أنها مُحْكَمَةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ.
فقال قومٌ: ليس المرادُ بالحَق الزكاةَ، وإنما المرادُ به تركَ شيءٍ للمساكين غيرِ الزكاة، وبه قالَ مجاهدٌ، والحَكَمُ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وأبو عُبيدَةَ (¬4).
قال مُجاهدٌ: إذا حَصدْتَ، فَحَضَرَكَ المساكينُ، فاطْرَحْ لهِم من السُّنْبُلِ، فإذا جَذَذْت، فألقِ لهم منَ الشَّماريخ (¬5)، فإذا دستَهُ (¬6) وذرَّيْتَهُ،
¬__________
(¬1) انظر "المصفى بأكف أهل الرسوخ" (ص: 34).
(¬2) انظر: "تفسير الطبري" (8/ 58).
(¬3) رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر في "تفاسيرهم"، وأبو داود في "ناسخه" كما نسب ذلك السيوطي في "الدر المنثور" (3/ 367).
(¬4) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 407)، و"تفسير الطبري" (8/ 55).
(¬5) الشماريخ: مفردُه: الشِّمْراخ والشِّمْروخ: وهو العِذقُ الذي عليه البُسْر، وأصلُه في العِذْق، وقد يكون في العنب.
"اللسان" (مادة: شمرخ) (3/ 31).
(¬6) دُسْته: داسَ الناسُ الحبَّ وأداسوه: دَرَسوه.=

الصفحة 237