كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

على فِعْلِهم من التحليلِ والتحريمِ، وبهذه الطريقِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي -رحمه الله (¬1) - فهؤلاءِ قومٌ لم يَنْبذوا الكِتاب ولا السنَّةَ وراءَ ظُهورهم، ولم يَنْسَخوا الكتابَ بما هو أضعفُ منه.
فإن قلت: فهذا ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما- البحرُ الحَبْرُ التَّرْجُمانُ يقولُ بتحليل الحُمُرِ الإنسية، قال عَمْرُو بنُ دينارِ: قلت لجابرِ بن زيد: إنهم يزعُمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، قال: قد كانَ يقولُ ذلكَ الحَكَمُ بن عمرِو الغِفاريِّ عندَنا بالبَصْرَة، ولكن أبى ذلك الحَبْرُ، يعني: ابن عباس، وقرأ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الآية (¬2).
وهذه أيضًا عائشةُ ذهبَتْ إلى تحليلِ الحُمُرِ الأهليةِ (¬3)، وقَرَأَتِ الآيةَ كما قرأها ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما (¬4).
قلت: إنما لم يحرماها؛ لأنهما تردَّدا في النَهْي هل هو على البَتِّ، أو لِعِلَّةٍ، وقدْ زالت العِلَّةُ (¬5)؟ فقد خَرَّجَ مسلم في "صحيحه" عن ابن عباسِ: أنه قال: لا أدري نَهى عنه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أجلِ أَنَّه كانَ حَمولةَ الناسِ، فكرهَ أن تذهبَ حَمولَتُهم (¬6).
¬__________
(¬1) انظر: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي (ص: 458).
(¬2) رواه البخاري (5209). ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 205).
(¬3) في "ب": "الإنسية".
(¬4) انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 432)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 293).
(¬5) "العلة": ليس في "أ".
(¬6) رواه البخاري (3987)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (1939)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.

الصفحة 246