كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)
147 - (8) قوله جل ثناؤه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].
أي: إن مالوا إلى المُصالَحَةِ، فَمِلْ إليها.
* أمر اللهُ سبحانَه نبيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - هنا بقَبول المُسالَمَةِ، وقال في موضع آخر: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد: 35].
فمن أهلِ العلمِ من رأى الآيتين مُختلفتين، فجعل آيةَ مُحَمَّدٍ ناسخةً (¬1) لهذه، وحُكي هذا عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
وأكثرُ المفسرين على أن هذه الآيةَ منسوخةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ في الذي نَسَخَها.
فقال قومٌ: نسخها آيةُ السيفِ؛ قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].
وقال قومٌ: نسخها قولُه تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29].
والصوابُ عدمُ النسخ؛ لفقدان التعارُضِ، وإمكانِ الجمعِ بين الآيات كُلِّها (¬2)، فليسَ بينَها اختلافٌ، فهذهِ الآيةُ فيما إذا التمسَ المشركونَ مِنَّا الصلحَ، وبآيةِ "محمدٍ" نهانا الله تعالى أن نبتدئهم بالتماسِ الصُّلح، فكل
¬__________
(¬1) انظر: "الناسخ والمنسوخ" (ص: 42)، و"الناسخ والمنسوخ" (ص: 27)، و"المصفى بأكف أهل الرسوخ" (ص: 37)، و"قلائد المرجان" (ص: 112).
(¬2) ورجَّح عدم النسخ الطبري والزمخشري وابن كثير وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري" (10/ 34)، و"الكشاف" للزمخشري (2/ 221)، و"تفسير ابن كثير" (2/ 324).
الصفحة 295