كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

قلنا: أجابَ بعضُ المفسرينَ أن بعضَ الرواةِ تسامَحَ في قولهِ: فأنزل اللهُ الآيةَ، وإنَّما المرادُ قراءةُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الآيةَ على عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- حين سأله, فظنَّ الراوي أنها نزَلَتْ حينئذ، وإنما استدلَّ بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلا على عُمَرَ ما قدْ أُنْزِلَ عليه، لا أَنَّها نزلتْ في هؤلاء (¬1).
وهذا جوابٌ حَسَنٌ، ويدلُّ عليهِ قولُه تعالى {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] , والظالمون يومئذٍ أهلُ مكة.
فإن قيل: يجوزُ الاستدلالُ على المؤمنينَ بما أُنزلَ على المشركين؟
قلنا: ليس ذلكَ ببعيدٍ؛ فقد قالَ عمرُ -رضيَ الله تعالى عنه- لو شِئْنا لاتَّخَذْنا سَلائِقَ (¬2) وشوى (¬3)، وتوضَعُ صَحْفَةٌ، وترفَعُ أُخرى، ولكِنّا سَمِعْنا قولَ الله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} (¬4) [الأحقاف: 20] ,
¬__________
(¬1) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 92).
(¬2) كذا في "أ" و"ب": "السلائق" -بالسين- وهي ما سُلِق من البقول؛ قال الأزهري: معناه طُبخ بالماء من يقول الربيع، وأُكل في المجاعات. "اللسان" (مادة: سلق) (10/ 160).
ووقع في "الزهد" لابن المبارك، و "طبقات ابن سعد": "الصلائق" -بالصاد- وفسرها الراوي بالخبز الرقاق.
(¬3) شوى: شَوَى اللحم شيئَّا فانشوى واشتوى. والاسم الشواء.
"اللسان" (مادة: شوي) (14/ 446).
قلت: ومعنى الكلام: أي لو أردنا أن نتخذ من أصناف الطعام المطبوخ والمشوي لقدرنا على ذلك.
(¬4) رواه ابن المبارك في "الزهد" (1/ 204)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (3/ 279)، ولفظ ابن المبارك: قال عمر: إني والله! لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم طعامي، وإني والله! لو شئْتُ لكنْتُ أطيبكم طعامًا وأرقكم عيشًا، أما والله! ما أجهل عن كراكر وأسنمة، وعن صلاء وعن صلائق وصناب قال جرير: =

الصفحة 322