كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

وذهب قومٌ إلى قَبولِ الجِزْيَةِ من كُلِّ مُشْرِكٍ، واعتمدوا حديثَ سُلَيْمانَ بنِ بُرَيْدَةَ الذي قَدَّمْتُهُ في "سورةِ البقرة"، وبهذا قالَ مالِكٌ (¬1).
وذهبَ آخرون إلى استثناءِ مُشْرِكي العرب، وبهِ قالَ أبو حنيفة (¬2).
ونقلَ بعضُ العلماءِ الاتفاقَ على استثناءِ القُرَشِيِّ، فلا يُقْبَلُ منه الجِزْيَةُ.
واختلفوا في عِلَّتِهِ: فقيلَ: تشريفًا لهُ عن الذِّلَّةِ والهَوان؛ لمكانِهِ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: لأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ آمَنَتْ بعدَ الفَتْحِ، فلا يُقْبَلُ منه إلا الإِسلام (¬3).
ومُقْتَضى الخِطابِ أنهم إذا بَذَلوا الجِزْيَةَ، وَجَبَ الكَفُّ عن قتالِهم، وهو كذلكَ، إلا أن يُخاف غائِلَتُهم (¬4)، ويُخْشى منهمُ المَكْرُ والخَديعةُ.
وإذا بذلوا الجزيةَ فلا يجُب عليهم إعطاؤها إلَّا بعدَ الحَوْلِ من وقتِ التزامِها، فالإعطاءُ هو الالتزامُ، لا حقيقةُ الإيتاء.
* ومتى وَجَبَ قَبولُ الجِزْيَةِ، فلا بُدَّ من اقترانِها بالصَّغارِ والهَوانِ؛ كما أمرَ اللهُ سبحانه.
والصغارُ عندَ الشافِعيُّ، هو: التزامُهُمْ لِجَريانِ أحكامِ الإِسلامِ عليهم في عَقْدِ الذِّمَّةِ (¬5).
¬__________
(¬1) انظر: "الكافي" لابن عبد البر (ص: 217).
(¬2) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 283)، و "البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 120).
(¬3) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 111).
(¬4) غائلتهم: الغَول: الخيانة، الغائلة والمَغَالة: الشَّرُّ، والغوائل: الدواهي.
"اللسان" (مادة: غول) (11/ 509).
(¬5) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 176).

الصفحة 330