كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

"هو الطَّهورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيْتتهُ" (¬1)، وبما رواه جابر -رضي الله تعالى عنه-: أنهم أكلوا من الحوتِ الذي رماهُ البحرُ أيامًا، وتزودوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستحسنَ فِعْلَهُم، وسألهم: "هل بقيَ منه شيء؟ " (¬2) (¬3).
وضعف الشافعيُّ الاستدلالَ بأن ظاهرَ الكتابِ يقتضي تنويعَ المُحَرَّمِ إلى ميتةٍ ودمٍ، فالميتةُ تَحِلُّ بالذكاةِ، بخلافِ الدمِ، فلا يكون أحدُهما عِلَّةً لتحريم الآخر، ورأى أن العلَّة للمَقْلِ (¬4) هو ما فَصَّلَتْه الإشارةُ النبويةُ من الداءِ بقوله: "فإنَّ في أَحَدِ جَناحَيْهِ داءً، وفي الآخَرِ دَواءً" (¬5)، فجعله الشافعيُّ من بابِ العفوِ؛ لِمَشَقَّةِ الضَّرَر، وهذا من محاسنِ نظرهِ - رحمة الله عليه، وعليهم أجمعين (¬6) -.
فإن قال قائلٌ: فقد أفتى الشافعيُّ بتحليلِ جنينِ الذبيحةِ إذا خرجَ ميتًا (¬7).
¬__________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) رواه البخاري (2821)، كتاب: الجهاد، باب: حمل الزاد على الرقاب، والإمام أحمد في "المسند" (3/ 303)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (1954)، وابن الجارود في "المنتقى" (878)، وغيرهم.
(¬3) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 65)، و"شرح مسلم" للنووي (13/ 86).
(¬4) أي: الغمس.
(¬5) رواه البخاري (3142)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب، والإمام أحمد في "المسند" (2/ 263)، عن أبي هريرة، وهذا لفظ أحمد.
(¬6) انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 56).
(¬7) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (2/ 234)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 148).

الصفحة 75