كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 3)

قلنا: ألحقهُ الشارعُ بالمُذَكَّى حُكْمًا ولَفْظًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "فإنَّ ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ" (¬1).
وبهذا القولِ قالَ مالكٌ (¬2)، إلا أنه اشترطَ وجودَ ما يدلُّ على الحياةِ في الجنينِ من تمامِ الخَلْقِ وإنباتِ الشَّعرِ؛ لإشعارِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أُمِّه"؛ فإنه يقتضي كونَه مَحَلًا للذكاة، مع ما روي أن أصحابَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: إذا أشعرَ الجنينُ، فذكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ (¬3).
وأما الشافعيُّ فلم يشترطْ ذلكَ، وتمسك بالمعنى؛ فإنه إنما جعل ذكاتَه؛ ذَكاتَها لكونه جزءًا منها، فلا مَعْنى لاشتراطِ الحياةِ (¬4)، مع ما روى ابنُ أبي ليلى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ، أَشْعَرَ أو لَمْ يُشْعِرْ" (¬5)، لكن هذا مُرْسَلٌ، وابنُ أبي ليلى سَيِّئُ الحفظ عندَ أهل الحديث (¬6).
¬__________
(¬1) رواه أبو داود (2827)، كتاب: الأضاحي، باب: ما جاء في ذكاة الجنين، والترمذي (1476)، كتاب: الأطعمة، باب: في ذكاة الجنين، وابن ماجه (3199)، كتاب: الذبائح، باب: ذكاة الجنين ذكاة أمه، والإمام أحمد في "المسند" (3/ 31)، والدارقطني في "سننه" (4/ 274)، وابن الجارود في "المنتقى" (900)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 335)، عن أبي سعيد الخدري.
(¬2) انظر: "الموطأ" للإمام مالك (2/ 490)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 263).
(¬3) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (8641)، عن عبد الله بن كعب بن مالك.
(¬4) وهو قول الحنابلة. انظر: "الأم" للإمام الشافعي (2/ 234)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 150)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 319).
(¬5) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (8649)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد رواه الدارقطني في "سننه" (4/ 271)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 335)، عن عبد الله بن عمر مرفوعًا، وصحح البيهقي وقفه على ابن عمر.
(¬6) أما الحنفية فقالوا: لا يؤكل الجنين إلا أن يكون حيًا فيذكى. انظر: "أحكام =

الصفحة 76