كتاب ذم الدنيا لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ، فَلَقِيتُهُمْ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، أُخْبِرْتُ أَنَّهُ بِأَرْضٍ لَهُ بِالْجُرْفِ، فَرَكِبْتُ إِلَيْهِ حَتَّى جِئْتُهُ، فَإِذَا هُوَ وَاضِعٌ رِدَاءَهُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاةٍ فِي يَدِهِ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَحْيَا مِنِّي وَأَلْقَى الْمِسْحَاةَ، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ جِئْتُ لِأَمْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِنْهُ، هَلْ جَاءَكُمْ إِلَّا مَا جَاءَنَا؟ أَوْ هَلْ عَلِمْتُمْ إِلَّا مَا قَدْ عَلِمْنَا؟. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمْ يَأْتِنَا إِلَّا مَا قَدْ جَاءَكُمْ، وَلَمْ نَعْلَمْ إِلَّا مَا قَدْ عَلِمْتُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَنَا نَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغَبُونَ، وَنَخُفُّ فِي الْجِهَادِ وَتَثَاقَلُونَ، وَأَنْتُمْ سَلَفُنَا وَخِيَارُنَا وَأَصْحَابُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَأْتِنَا إِلَّا مَا قَدْ جَاءَكُمْ، وَلَمْ نَعْلَمْ إِلَّا مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، لَكِنَّا بُلِينَا بِالضَّرَّاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَصَبَرْنَا، وَبُلِينَا بِالسَّرَّاءِ فَلَمْ نَصْبِرْ.
274 - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ كَانَ يُحَدِّثُ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَوْفَيْتُ عَلَى جَبَلٍ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَيْهِ طَلَعَتْ عَلَيَّ ثُلَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ سَدَّتِ الْأُفُقَ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنِّي رُفِعَتْ عَلَيْهِمُ الشِّعَابُ بِكُلِّ زَهْرَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَرُّوا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا مِنْهُمْ رَاكِبٌ، فَلَمَّا جَاوَزُوهَا قَلَصَتِ الشِّعَابُ بِمَا فِيهَا، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلْبَثَ، ثُمَّ طَلَعَتْ عَلَيَّ ثُلَّةٌ مِثْلُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا مَبْلَغَ الثُّلَّةِ الْأُولَى رُفِعَتْ عَلَيْهِمُ الشِّعَابُ بِكُلِّ زَهْرَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَالآخِذُ وَالتَّارِكُ وَهُمْ عَلَى ظَهْرٍ، حَتَّى إِذَا جَاوَزُوهَا قَلَصَتِ الشِّعَابُ بِمَا فِيهَا، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ طَلَعَتِ الثَّالِثَةُ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا مَبْلَغَ الثُّلَّتَيْنِ رُفِعَتْ لَهُمُ الشِّعَابُ بِكُلِّ زَهْرَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَأَنَاخَ أَوَّلُ رَاكِبٍ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُجَاوِزْهُ رَاكِبٌ، فَنَزَلُوا يَهْتَالُونَ مِنَ الدُّنْيَا، فَعَهْدِي بِالْقَوْمِ وَهُمْ يَهْتَالُونَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الرِّكَابُ.

الصفحة 511

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text