كتاب ذم الدنيا لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

فَكُنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَالْمُدَاوِي جُرْحَهُ، يَحْتَمِي قَلِيلًا مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلًا، وَيَصِبر عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ الْبَلاَءِ، فَأَهْلُ الْبَصَائِرِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَشْيُهُمْ بِالتَّوَاضِعِ، وَمَلْبَسُهُمْ بِالِاقْتِصَادِ، وَمَنْطِقُهُمْ بِالصَّوَابِ، وَمَطْعَمُهُمُ الطَّيِّبُ مِنَ الرِّزْقِ، وَقَدْ نَفَذَتْ أَبْصَارُهُمْ فِي الآجِلِ كَمَا نَفَذَتْ فِي الْعَاجِلِ، فَخَوْفُهُمْ فِي الْبَرِّ كَخَوْفِهِمْ فِي الْبَحْرِ، وَدُعَاؤُهُمْ فِي السَّرَّاءِ كَدُعَائِهِمْ فِي الضَّرَّاءِ، وَلَوْلاَ الأَجَلُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ لَمْ تَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ، وَشَوْقًا إِلَى الثَّوَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَصَغُرَ الْمَخْلُوقُ عِنْدَهُمْ، فَارْضَ مِنْهَا بِالْكَفَافِ، وَلْيَكْفِكَ مَا بَلَّغَكَ الْمَحَلَّ.
310 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ الأَسْوَدَ، يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ طَالَ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ غَمُّهُ.
311 - حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَقُولُ: إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ هَمًّا فِي الْآخِرَةِ أَقَلُّهُمْ هَمًّا فِي الدُّنْيَا.
312 - أَنْشَدَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ:
مَا زَالَتِ الدُّنْيَا مُنَغِّصَةً ... لَمْ يَنْجُ صَاحِبُهَا مِنَ الْبَلْوَى
دَارُ الْفَجَائِعِ وَالْهُمُومِ ... وَدَارُ الْبَثِّ وَالأَحْزَانِ وَالشَّكْوَى
بَيْنَا الْفَتَى فِيمَا يُسَرُّ بِهِ ... إِذْ صَارَ تَحْتَ خَرَابِهَا مُلْقَى
تَقْفُو مَسَاوِيهَا مَحَاسِنَهَا ... لاَ شَيْءَ بَيْنَ النَّعْيِ وَالْبُشْرَى.
313 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: اصْطَلَحْنَا عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا، فَلاَ يَأْمُرُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلاَ يَنْهَى بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلاَ يَدَعُنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى هَذَا، فَلَيْتَ شِعْرِي، أَيُّ عَذَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ بِنَا؟

الصفحة 522

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text