كتاب التحبير لإيضاح معاني التيسير (اسم الجزء: 3)

قوله: "خذوا عني مناسككم" أي: عباداتكم وذلك أنّ الحج المأمور به في الكتاب والسنة مجمل اتفاقًا، ولا يتم الامتثال له والعمل به إلاّ بعد بيانه، وقد بيّنه الله تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريره، ولذا قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} , والبيان بالأفعال أوضح منه بالأقوال، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1) مع أنّه قد بيّنها بأقواله وتعليم العباد إياها من أركانها وشرائطها، كذلك الحج بيّنه - صلى الله عليه وسلم - بأفعاله ثم أمرهم بأخذه، أعني من أفعاله وأقواله، والمناسك جمع منسك [و] (¬2) هي العبادة والمراد هنا عبادات الحج إذ السياق فيه إلاّ أنّه لا يقصر العام على سببه، فكل عبادة إنما تؤخذ منه - صلى الله عليه وسلم -، فقوله: "خذوا عني" شامل لكل عبادة، وقد تقرر أنّ أفعاله - صلى الله عليه وسلم - هي بيان الإجمال تفيد الوجوب لما بيّنه، وكل ما فعله صلى الله عليه [183 ب] وآله وسلم في حجه من عبادة فالأصل فيها الوجوب حتى يأتي دليل على خلافه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "نحرت هنا ومنى كلها منحر، ووقفت هنا وعرفات كلها موقف" (¬3). دفعًا لتوهم أنه يتعين محلات مناسكه؛ لأنها من بيان المجمل فدفع ذلك، ومنه قوله: "ارم ولا حرج" (¬4) ونحوه مما يأتي.
¬__________
(¬1) أخرجه البخاري رقم (630)، ومسلم رقم (24/ 399)، وأبو داود رقم (589)، والترمذي رقم (205)، والنسائي (2/ 77)، وابن ماجه رقم (979) من حديث مالك بن الحويرث.
(¬2) زيادة من (أ).
(¬3) أخرجه أحمد (3/ 321)، ومسلم رقم (149/ 1218)، وأبو داود رقم (1907). من حديث جابر - رضي الله عنه -. وهو حديث صحيح.
(¬4) أخرجه أحمد (2/ 159، 160، 192، 210، 217)، والبخاري رقم (1736)، ومسلم رقم (333/ 1306) من حديث عبد الله بن عمر.

الصفحة 386