كتاب المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (اسم الجزء: 3)
وجه الاستدلال:
فهذا الأثر يدل على أن الخمرة مال محترم عندهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المبيع متمول لأمر عمر بالبيع.
وثانيها: إيجاب العشر في ثمنها، ولا يجب إلا في متمول.
وثالثها: تسمية ما يقابلها ثمنًا، وهو لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق، ولا يصح البيع إلا في متمول (¬١).
قال أبو عبيد: "يريد أن المسلمين كانوا يأخذون الجزية من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية رؤوسهم، وخراج أراضيهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالاً للمسلمين ... قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصًا من الجزية إلا وهو يراها مالاً من أموالهم" (¬٢).
---------------
=وحاول ابن حزم رحمه اللهُ أن يتأول الأثر لاعتقاده أن هذا مخالف للقرآن، فقال: "هذا لا حجة فيه؛ لأن حديث سفيان، وهو الصحيح، ليس فيه ما زاد إسرائيل، وإنما فيه ولوهم بيعها، وهذا كقوله تعالى، (نُوَلِّهِ مَا تَوَلى) وإسرائيل ضعيفاً. اهـ
وابن حزم لا يوافق في تضعيفه إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى لم يكن منهج ابن حزم في زيادة الثقة على منهج أئمة الحديث بحيث يرد الزيادة ولو كانت من ثقة، ولو لم تكن منافية إذا كان فيها مخالفة، بل لو قيل: ليس له منهج مطرد في هذا لكان أقرب إلى الصواب، مع أن زيادة إسرائيل على القول بانها غير محفوظة فإن أمر عمر لعماله أن يتولى أهل الذمة بيع الخمر، ما الفائدة منه، إذا لم يكن هذا من أجل أخذ الجزية من أموالهم؟
(¬١) انظر الذخيرة للقرافي (٨/ ٢٧٨).
(¬٢) الأموال (ص ٥٤، ٥٥).