كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (اسم الجزء: 3)
" الشَّكِّ " عَلَى الْمَرْتَبَةِ الْعِلْمِيَّةِ بِاعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَرْتَبَةِ الْعِيَانِ فِي الْخَارِجِ، وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ سُمِّيَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ - قَبْلَ مُشَاهَدَةِ مَعْلُومِهِ - ظَنًّا، قَالَ تَعَالَى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46] وَقَالَ تَعَالَى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} [البقرة: 249] وَهَذَا الظَّنُّ عِلْمٌ جَازِمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223] لَكِنْ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْعِيَانِ فَرْقٌ، وَفِي الْمُسْنَدِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ» وَلِهَذَا لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنَّهُ قَدْ فُتِنَ قَوْمُهُ، وَأَنَّ السَّامِرِيَّ أَضَلَّهُمْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَإِلْقَاءِ الْأَلْوَاحِ مَا حَصَلَ لَهُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ.
إِذَا عَرَفَ هَذَا، فَقَوْلُهُ " التَّحْقِيقُ: تَلْخِيصُ مَصْحُوبِكَ مِنَ الْحَقِّ " هَاهُنَا أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ بِتَفْسِيرِهَا يُفْهَمُ مُرَادُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -.
أَحَدُهَا: لَفْظُ " التَّحْقِيقِ " وَهُوَ تَفْعِيلٌ مِنْ حَقَّقَ الشَّيْءَ تَحْقِيقًا، فَهُوَ مَصْدَرٌ فِعْلُهُ
الصفحة 360