كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
قلت: كانوا يقولون: ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ فإن قلتك كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب. (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) على أن "ألا" للتنبيه، وقف على (حُجَّةٌ) ثم استأنف منبهاً. (فَلا تَخْشَوْهُمْ): فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم؛ فإنهم لا يضرونكم (وَاخْشَوْنِي) ولا تخالفوا أمري وما رأيته مصلحة لكم. ومتعلق اللام محذوف، معناه: ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك، أو يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يبق لليهود حجة إلا لهؤلاء المعاندين، وحجتهم داحضة، ويفهم منه أنه لو لم يحول كانت حجة المنصفين لازمة، وما تلك الحجة؟ وأجاب بما أجاب، ويجوز أن يكون من باب قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
قال الزجاج: المعنى: لئلا يكون للناس حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: ما لك علي حجة إلا الظلم، أي: ما لك علي حجة البتة ولكنك تظلمني، وإنما سمي ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة.
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون): عطف على قوله: "ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود"، والمراد بالناس على الأول: اليهود، واعتراضهم بترك ما هو مذكور في نعته صلوات الله عليه، وعلى الثاني: العرب واعتراضهم بترك قبلة أبي العرب.