كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم: هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ (بِشَيْءٍ): بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه. (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء؛ لأن الاسترجاع تسليم وإذعان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف"، وقوله: في أصحاب قليب بدر: "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يقدرون على الجواب"، والمخالف إنما وهم في ذلك لأنه جعل الأرواح أعراضاً لا قوام لها إلا بالأجساد، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، وهو قول باطل.
قوله: ((وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء)، الراغب: أمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصور بها المقصد ووطن نفسه به؛ لأن الصابر على الحقيقة: من عرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء، وإنما يريد تصوير ما خلق الإنسان لأجله والقصد له ليتعرض لطريق الوصول.
قوله: (لأن الاسترجاع تسليم وإذعان) تنبيه على أن الصفة، وهي قوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ) الآية، كاشفة في هذا المقام، وفيه أن معنى الصبر التسليم والإذعان. وقال القاضي: وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل بالقلب، بأن يتصور ما خلق لأجله وانه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له.