كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله تعالى: (رَافَةً وَرَحْمَةً) [الحديد: 27]، (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117]، والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة. (وَرَحْمَةً) أي رحمة، (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا الأمر لله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على وجه، وهي الرحمة، وإن كانتا متلازمتين فهما مفترقتان في الحقيقة، وإنما قال: (صَلَوَاتٌ) على الجمع، تنبيهاً على كثرتها منه.
قوله: (وجمع بينها) أي: وجمع بين الصلاة والرحمة كما جمع بين الرأفة والرحمة، لكن اختلف المعنى في هذا المقام لاختلاف الصيغتين جمعاً وإفراداً، وعطف أحدهما على الآخر، لأن القصد في عطف المفرد على المجموع إرادة التكرير في الجمع والتعظيم في المفرد بحسب تنكيره، وإلى الأول الإشارة بقوله: "رأفة بعد رأفة"؛ لأنه على منوال: لبيك وسعديك، وإلى الثاني بقوله: "رحمة أي رحمة". والنكتة في تكرير (أُوْلَئِكَ): التنبيه على إناطة كل بما يناسبه، وأن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه الخلال المرضية، فقوله: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) مترتب على قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) إلى آخر الآيتين، وقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) على قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) إلى قوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يدل عليه قوله: " (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله"، فمن استعان بالله بالصبر والصلاة والجهاد كفاه الله أمور دنياه ما عاش، بأن يؤويه إلى ظلال رأفته رأفة بعد رأفة، ويمنحه مناه في عقباه ليطير فوق منتهى بسطته رحمة أي رحمة.
قال الجوهري: الرأفة: أشد الرحمة، وقيل: الرأفة: أن يدفع عنك المضار، والرحمة: أن يوصل إليك المسار.