كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
واختلف في السعي؛ فمن قائل: هو تطوع بدليل رفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230]، وغير ذلك؛ ولقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)، كقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) [البقرة: 184].
ويروى ذلك عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وعن أبي حنيفة رحمه الله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واختلف في السعي) إلى آخره، قال الإمام الرافعي في "الكبير": السعي ركن في الحج والعمرة، ولا يحصل التحلل دونه ولا ينجبر بالدم، وبه قال مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ وعند أبي حنيفة: ينجبر بالدم.
قال الإمام: ظاهر الآية لا يدل على الوجوب ولا على عدمه، فإن قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)، أي: لا إثم عليه، يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، فإذن لابد في تعيين أحدهما من الرجوع إلى الدليل.
وقلت: ويؤيده ما روينا عن عروة: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ فوالله ما على أحد من جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، وقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها نزلت في الأنصار، وكانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: