كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس؛ (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) الذين يتأتى منهم اللعن عليهم؛ وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين.
[(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) 160].
(وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم، (وَبَيَّنُوا) ما بينه الله في كتابهم فكتموه، وبينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم؛ ليمحوا سمة الكفر عنهم، ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين.
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) 161 - 162]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنهم كانوا يقولون: ما باله لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ وأنه (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) الآيات [الأعراف: 157]، فكتموه ولبسوا على الناس، فالفاء في قوله: "فعمدوا" للترتيب على العكس، أي: بينا لهم بياناً شافياً ليظهروه فعمدوا .. إلى آخره، وكذلك الفاء في قوله: "ما بينه الله في كتابهم فكتموه".
قوله: (الذين يتأتى منهم اللعن) أي: للعنهم تأثير، لعطفه على (يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ) وتعقيبه لأولئك.
قال الزجاج: (اللاَّعِنُونَ) هم المؤمنون وكل من آمن بالله من الجن والإنس والملائكة. عن ابن عباس: اللاعنون: كل شيء في الأرض، وعن ابن مسعود: "الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود"، والأول أولى لقوله بعد ذلك: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).

الصفحة 174