كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على ما ذكر صاحب "الانتصاف" فيه، قال: دلالتها على الاختصاص هو الحق، فإن العصاة من المسلمين يخرجون من النار، وقد احتج الزمخشري في قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) [الأنبياء: 21]، (وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4]. لكن هذا الاختصاص لا يوافق مذهبه، فأعمل الحيلة في صرف الكلام عنه فجعلها مقيدة للأحقية، فإن العصاة وإن خلدوا عنده فالكفار أحق منهم بالخلود، فسبحان من بلاه بالمحنة مع حذقه وفطنته! .
الإنصاف: الآية فيمن اتخذ أنداداً من الكفار، والكفر أعم من ذلك، وجميع أهله ليسوا بخارجين من النار فلا اختصاص لهؤلاء بالخلود دون غيرهم من الكفار، والذي قاله الزمخشري صحيح.
وقلت: مما ذكرت مع إيلاء النفي ضمير الفاعل لابد من القول بالاختصاص، والآية عامة في جميع من يخالف المؤمنين من أهل الملل المختلفة، ويتخذ من دون الله أنداداً، أي: رؤساء يتبعونهم ويطيعونهم كما نص عليه المصنف، ثم قال: واستدل بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، ويؤيده أيضاً قوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإبدال (إِذْ تَبَرَّأَ) من (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ)؛ لأن الكلام في التابع والمتبوع سواء كان مشركاً أو غيره، وإلى معنى الآية ينظر ما روينا عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي سعيد في حديث طويل: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر غير أهل الكتاب، ثم يدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال لهم: كذبتم! ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد"، إلى قوله: "فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد