كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها، وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعى كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم لا يفقهون أهم على حق أم باطل. وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بما لا يسمع، والمراد بما لا يسمع: البهائم، وضع موضع المضمر، أي: كمثل بهائم الذي ينعق بها، المعنى: ومثل الذين كفروا مع داعيهم في أنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى ما يدعوهم إليه كمثل البهائم مع داعيها ينعق بها وهي لا تعقل سوى أن تسمع الصوت، ومآل المعنيين يعود على ما ذكره من قوله: "ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلى جرس النغمة" إلى آخره، فصح قول من قال: إن قوله: "المعنى ... " إشارة على التقديرين.
وثالثها: قوله: (ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم)، هذا مثل الأول، لكن الاختلاف بين البهائم والرجل الأصم.
ورابعها: قوله: (ومثلهم في اتباعهم آباءهم) مبني على أن التشبيه مركب تمثيلي، وهو أن يكون الوجه منتزعاً من عدة أمور متوهمة، فلا يحتاج حينئذ إلى تقدير مضاف، ولهذا قال: "ومثلهم في اتباعهم آباءهم" وكَيْتَ وكَيْت، وهذا الوجه أوجه وأشد ملاءمة بالآية السابقة، وهي قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا) إلى قوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ).
وخامسها: قوله: (ومثلهم في دعائهم الأصنام)، قال القاضي: لا يساعده قوله: (إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً)؛ لأن الأصنام لا تسمع، إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب.

الصفحة 194