كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يقال: إن عطف (فَمَنْ اضْطُرَّ) يفيد تقييد ما تقدمه بالحال، فصح قوله: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وإنما تقرير هذا الوجه القصر، فاعلم أن القصر لابد فيه من سبق خطأ من المخاطب مشوب بصواب، وأنت تريد تحقيق صوابه ونفي خطئه، فقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو قصر الحكم على المذكورات، فيفيد أن المحرم ليس إلا المذكورات، وليس كذلك، وهو المراد بقوله: "وكم من حرام لم يذكر"، وإنما يمكن التفصي منه إذا عينا اقتضاء المقام، فإن القائل إذا قال: زيد شاعر ومنجم، فإذا قلت في جوابه: ما زيد إلا شاعر، أفاد القصر، وليس المراد أن ليس لزيد صفة سوى الشاعرية، بل القصر على أحد الوصفين المتنازع فيهما، كذلك في هذا المقام، أنه تعالى لما عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً) [البقرة: 168] وخصه بالمؤمنين في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم عقبهما بقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ) الآية، وجب أن يقدر لكل من المخاطبين ما يناسبه ليصح الرد، وذلك بأن يرد على المشركين تحريمهم ما أحله الله وهو السائبة والحام والوصيلة وأمثالها، وتحليلهم ما حرمه الله من هذه المذكورات، كأنهم قالوا: تلك حرمت علينا وهذه أحلت، فقيل لهم: ما حرمت إلا هذه، وإليه ينظر قول القاضي: قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه، لا مطلقاً، وأن يرد على المؤمنين تحريمهم على أنفسهم لذيذ الأطعمة ورفيع الملابس، وهذه الأشياء المذكورة، فقيل لهم: ما حرمت عليكم إلا هذه، ويؤيده ما روينا عن

الصفحة 198