كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

(أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي: رفع به الصوت للصنم؛ وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى (غَيْرَ باغٍ) على مضطرّ آخر بالاستئثار عليه، (وَلا عادٍ) سدّ الجوعة. فإن قلت: في الميتات ما يحل؛ وهو السمك والجراد، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان». قلت: قُصِد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة؛ ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دماً، لم يسبق الوهم إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البخاري ومسلم، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، قاله حين سمع أن نفراً من أصحابه قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، ذكر في "مشارق الأنوار"، وأمثال هذا الحديث واردة كثيراً، وفيه نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) [المائدة: 87]، فالتركيب بالنسبة إلى المشركين: قصر قلب، وإلى المؤمنين: قصر إفراد، والفاء في قوله: (فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) تفصيلية؛ لأنها تدل على تقدير محذوف يبين الحكم السابق. المعنى: ما حرم عليكم إلا هذه، فمن استحلها وتناولها فقد ارتكب إثماً عظيماً، ومن اضطر إليها وتناول شيئاً منها من غير بغي وعدوان فإن الله يغفر له ويرحمه ويحط عنه ذلك الإثم؛ لأن الله غفور رحيم، وظهر ضعف الوجه الثاني للقاضي، والله أعلم.
قوله: (أي: رفع به الصوت للصنم). قال القاضي: الإهلال أصله: رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سمي ذلك إهلالاً، ثم قيل لرفع الصوت: إهلال وإن كان لغيره.

الصفحة 199