كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

فصرمه وقطع كلامه وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: 108]. (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن! تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: (فما أصبرهم): فأي: شيء صبرهم! يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كناية عن عدم الالتفات بل مجازاً عنه، حيث قال: "أصله فيمن يجوز عليه النظر كناية، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان"، كأنه فرق بين إثبات النظر إلى الله تعالى ونفيه عنه وبين إثبات الكلام ونفيه. وفيه بحث.
قوله: (فأي شيء صبرهم)، إلى قوله: "وهذا أصل معنى فعل التعجب"، فرق بين الأصل والفرع، وهو كذلك؛ لأن الأصل الاستفهام فيه يحتمل الإنكار والتوبيخ والتعجب وغير ذلك، والفرع منصوص في إنشاء التعجب.
الراغب: قال أبو عبيدة: إن ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتج بقول الأعرابي لخصمه: ما أصبرك على الله، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة؛ لأن ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار! وقول من قال: ما أعملهم بعمل أهل النار! وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتباراً بالناظر إليه، واستعمال التعجب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق.

الصفحة 202