كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه! فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه! (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ) أي: ذلك العذاب بسبب أنّ اللَّه نزل ما نزل من الكتب بالحق (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) في كتب اللَّه فقالوا في بعضها: حق، وفي بعضها: باطل، وهم أهل الكتاب. (لَفِي شِقاقٍ): لفي خلاف (بَعِيدٍ) عن الحق. والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك، بسبب أنّ اللَّه نزّل القرآن بالحق كما يعلمون. (وإن الذين اختلفوا) فيه من المشركين، فقال بعضهم: سِحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير (لفي شقاق بعيد)، يعني: أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو كفرهم ذلك) هو معطوف على قوله: "ذلك العذاب بسبب أن الله نزل"؛ لأن المشار إليه السابق، إما ما دل عليه قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أو قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) فعلى الأول: الكلام مع اليهود خاصة، والتعريف في الكتاب للجنس، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية كالتأكيد والتذييل للجملة السابقة، يدل عليه وضع قوله: (الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) موضع الضمير. المعنى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) إنما يثبت لهم العذاب؛ لأنه تعالى نزل جنس الكتاب بالحق وهم اختلفوا فيها وكتموا الحق وقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل؛ ثم نعى عليهم هذا المعنى على سبيل التذييل بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، ففي الكلام حذف، والمحذوف ما قدرناه لدلالة التذييل عليه، وقدر القاضي اللام للعهد فقال: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب والكتمان.
وعلى الثاني: الكلام مع اليهود والمشركين، والتعريف للعهد، والمراد بالكتاب: القرآن، وبالذين "اختلفوا": المشركون، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية: حال من الكتاب، وقد أقيم مقام الراجع المظهر. المعنى: إنما كفر اليهود لأن الله تعالى نزل القرآن بالحق،

الصفحة 203