كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به، وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: (وليس البرّ) بالنصب على أنه خبر مقدم. وقرأ عبد اللَّه: (بأن تولوا) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد. (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) على تأويل حذف المضاف، أي: برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكنّ البرّ، بفتح الباء. وقرئ: (ولكن البارّ). وقرأ ابن عامر ونافع: ولكنّ (البر) بالتخفيف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا: الخطاب عام في أهل الكتاب والمسلمين، فينبغي أن يكون ما خاض فيه المليون جميعاً أمراً عظيماً، وذلك أن اجتماعهم وكثرة خوضهم في شيء يوهم أن ذلك الشيء أمر عظيم، ولهذا قال: "ليس البر العظيم". وأما اختصاص المشرق والمغرب فللتعميم لا تعيين السمتين كما في الوجه الأول.
قوله: (أو كما قالت) أي الخنساء، ترثي أخاها صخراً، أول البيت:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت
جعلت الناقة كأنها تجسدت من الإقبال والإدبار، يعني: هذه الناقة ترتع زماناً، فلما ذكرت صاحبها تترك الرتع وتقبل وتدبر بالغة حدها.
قوله: (لو كنت ممن يقرأ) أي: لو أجيز لي بأن أقرأ بعدما ورد المنع بإجماع الصحابة أن يقرأ كل أحد من غير سماع لقراءته. الانتصاف: هذا القول من المبرد خطأ، فإن القراءة لا توكل إلى الاختيار والاجتهاد، بل معتمدها النقل، والمتواترة أفصح؛ لأن أول الكلام (لَيْسَ الْبِرَّ)

الصفحة 205