كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

فإن قلت: هلا فسرت "عُفيَ" بـ"ترك" حتى يكون شيءٌ في معنى المفعول به؟ قلت: لأن "عفا الشيء" بمعنى تركه، ليس بثبتٍ، ولكن أعفاه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعفوا اللحى». فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره؛ إذا محاه وأزاله فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شيء. قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها. وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجهٍ للمشكل من كلام اللَّه على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ باللَّه منها.
فإن قلت: لم قيل: شيء من العفو؟ قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم، أو عفا عنه بعض الورثة؛ تم العفو؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأعفوا اللحى) الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى". أنهكوا، أي: بالغوا في قصها.
قوله: (عبارة قلقة)، أي: غير قارة في مكانها، فإن الكلام الفصيح هو الذي يستعمل فيه ما هو على ألسنة الفصحاء أدور، واستعمالهم له أكثر، وكلام الله أفصح الكلام لا يجوز فيه أمثال هذه العبارة. نعم، فيه ما لو اقتضاه المقام كما في قول الشاعر:
وما عفت الديار له محلاً ... عفاه من حدا بهم وساقا
لأن الكلام في محو أثر ديار المحبوبة فهو مكان استعماله، والآية مسوقة في شأن العفو عن الجنايات، فهو بمعزل عن استعماله فيه، وهو المراد من قوله: "نابية عن مكانها".
قوله: (وبعض منه) تفسير لقوله: "طرف من العفو"، والبعضية إنما تتصور بأحد شيئين: بأن يعفو الورثة كلهم بعض الدم، أو بأن يعفو بعض الورثة حقه بتمامه.

الصفحة 214