كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
يؤمّن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم: أن يقتل لا محالة، ولا يقبل منه دية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أعافى أحداً قتل بعد أخذه الدية». (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) كلام فصيح؛ لما فيه من الغرابة؛ وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية) في رواية أبي داود عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أعفي من قتل بعد الدية".
قوله: (ومن إصابة) عطف على قوله: (من الغرابة)، أما الغرابة فهي حمل الشيء على ضده، ولم يكتف بهذا القدر، بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخولاً لحرف (في)، وفائدته: أن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يفوته ولا هو بنفسه يتفرق ويتلاشى، كذلك بالقصاص، يحمي الحياة من الآفات، ومعناه: أن الحياة الحاصلة بالارتداع، والحياة العظيمة، إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير.
وأما البلاغة فهي أن هذا الكلام مع وجازته دل على معان كثيرة؛ لأن لام الجنس الداخلة في القصاص تدل على حقيقة هذا الحكم، وهو مشتمل على الضرب والجرح والقتل وما يجري مجراها، ولو قيل كما قالوا: "القتل أنفى للقتل"، لم يفد هذه الفوائد، ثم إذا نظر إلى تنكير الحياة من حيث كونها مطلقة غير مقيدة وقد حمل عليها قوله: (فِي الْقِصَاصِ) أفاد التعظيم، وإذا قيدت بقرائن الأحوال بالارتداع، أفاد التخصيص، فعلى هذا قوله: "أو نوع من الحياة" عطف على قوله: "حياة عظيمة".