كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبيانه: أنه صلى الله عليه وسلم خطب عام حجة الوداع وقال: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"، يعني أن الوصية إنما كانت لأن حقوق الأقرباء لم تكن منقسمة، فالآن قسمها الله تعالى وأعطى لكل منهم ما يستحقه، فبطل الحكم الأول، قيل: كون الآية منسوخة بآية المواريث بعيد؛ لأنه لا يمتنع الجمع بين حكم الآيتين. نعم، يجوز أن تكون آية المواريث مخصصة لهذه، وذلك بأنها توجب الوصية للأقربين، وآية المواريث تخرج القريب الوارث وتبقي غير الوارث بسبب اختلاف الدين أو الرق أو القتل، ومن يحجب لوجود الحاجب، ومن لم يكن وارثاً كذوي الأرحام فيوصى لهؤلاء صلة للرحم، ولو قيل: كيف الجمع فيمن لا يخلف إلا الوالدين فيصير كل المال حقاً لهما فلا يبقى للوصية شيء؟ فيقال: هذا لمانع.
وقال الإمام: وكونها منسوخة بالحديث بعيد أيضاً، ودعوى تلقي الأمة إما على الظن أو على القطع، والأول مسلم، إلا أن ذلك إجماع منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من الآحاد لأجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز، ولو قيل: إنها منسوخة بالإجماع بعد وجود دليل الناسخ واكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، فيقال: لا يصح ذلك؛ لأن في الأمة من أنكر وقوع النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع؟

الصفحة 222