كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وفي قراءة أبي: (فعدّة من أيام أخر متتابعات). فإن قلت: فكيف قيل (فَعِدَّةٌ) على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أي: فعدة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: (فعدّة)، والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا (فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)؛ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. وقرأ ابن عباس: (يطوّقونه) تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي: يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه: (يتطوّقونه) بمعنى يتكلفونه، أو يتقلدونه؛ و (يطوقونه) بإدغام التاء في الطاء، و (يطيقونه). و (يطيقونه) بمعنى: يتطيقونه، وأصلهما: يُطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياءً، كقولهم: تدير المكان، وما بها ديار .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قيل: (فَعِدَّةٌ)، على التنكير، ولم يقل: فعدتها)، يريد أن مقتضى الظاهر أن يقال: فعدتها؛ لأن قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) مرتب على فرضية صوم الأيام المعدودات، أي: وجب عليكم صوم الأيام المعدودات، فمن كان غير معذور فليصمها كاملات، ومن كان معذوراً فأفطر فليصم عدتها فلم نكرها؟ وأجاب: أن مجيئها في أثر ذلك الحكم وأن العدة بمعنى المعدود لا يلبس أن المراد: فعدة الأيام المعدودات، فاستغنى ذلك عن تعريف الإضافة، أي: تعيينها بالإضافة، والفاء في "فأمر بأن يصوم"، مثلها في قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل: 98]، والضمير في "مكانها وعددها": للمعدودات.
قوله: (و"يطيقونه" بمعنى: يتطيقونه)، فيه لف، وقوله: "يُطَيْوَقُونَهُ ويَتَطَيْوَقُونَهُ" نشره، قال ابن جني: عين الطاقة واو لقولهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي، وعليه قراءة يطوقونه، وهو يفعلونه منه، كقولك: يجشمونه ويكلفونه، وقال: يطوقونه: يتفعلونه، من الطوق، كقولك:

الصفحة 231