كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل إلى الأرض نجوماً. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة: 183] كما تقول: أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون الخبر فاصلاً بين أجزاء المبتدأ، وذلك غير سائغ. هذا تلخيص كلامه. ثم قال: فعرضت هذا البحث عليه فأذعن له، وقيل في العذر: إن الفصل جائز ها هنا؛ لأن المفعول فضلة لا جزء كالفاعل، والإضافة هنا إلى الفاعل لا المفعول، أي: صومكم شهر رمضان خير لكم، فيقال: هذا وأمثاله لا يليق بمنصب التنزيل؛ لأن المقرر أن مفعول المصدر كالصلة، فلا يجوز الفصل بالأجنبي، وأقصى ما يقال فيه: أن قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا) وإن كان مصدراً في المعنى، لكن صورته صورة الفعل، فبالنظر إلى الصورة، جاز الفصل وإن لم يجز في المصدر المحض، وفرق بينهما صاحب "الإقليد" في بحث لام كي، وقال: إن امتناع وقوع المصدر خبراً عن الجثة لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان، والفعل المصدر بأن يدل عليهما، فيجوز الإخبار به عن الجثة، وإن لم يجز بالمصدر.
فإن قلت: فإذا جعل شهر رمضان مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) يلزم أن لا يكون صوم شهر رمضان واجباً؛ لأن الواجب لا يقال فيه: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)؟ قلت: بل يقال، وغايته: أن يلزم منه الإبهام بين الندب والوجوب، والمبين للوجوب، تفصيله: وهو قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، يؤيده قول الزجاج: الأمر بالفرض فيه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).