كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

(يُرِيدُ اللَّهُ) أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: (اليسر) و (العسر) بضمتين .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت على ما ذهب إليه المصنف: الفاء في (فَمَنْ شَهِدَ) جاءت مفصلة لما أجمل في قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) من وجوب التعظيم، وذلك أن غجراء الصفة عليه أوجب تعظيمه على من أدركهن ومدركه إما حاضر أو مسافر، فمن كان حاضراً فيه فحكمه كذا، ومن كان مسافراً فيه فكذا، ولا يحسن أن يقال: من أدرك الشهر فليصم، ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض؛ لأن المقيم والمسافر شاهدان للشهر، وعطف الشرط على الشرط- على سبيل التفصيل- يقتضي المغايرة، ويؤيده قول الزجاج: من كان شاهداً غير مسافر ولا مريض فليصم، ومن كان مسافراً أو مريضاً فقد جعل له أن يصوم عدة أيام السفر والمرض من أيام أُخر.
وقلت: إنما قرن المريض بالمسافر دون سائر المعذورين ليؤذن أن المسافر لما كان يتضرر بالصوم تضرر المرضى أدخله في حكمه مبالغة في التيسير عليه كما في قوله تعالى: (مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) [النساء: 97 - 98].
قال المصنف: أخرج الولدان من الوعيد وإن لم يكونوا داخلين فيه، لبيان أن الرجال والنساء في انتفاء الذنب عنهم كالولدان، والأظهر اختيار الإمام، فإن التركيب من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب؛ لأن الشهر في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) هو الشهر الموصوف الذي أنزل فيه القرآن الذي هو ببينات من الهدى؛ لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، أي: الزمان الذي شرف بهذا التعظيم، وحقيق على من أدركه أن يتقرب إلينا فيه

الصفحة 240