كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
ويجوز أن تكون «من» للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوّله. فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز. فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها. فإن قلت: فلم زيد (مِنَ الْفَجْرِ) حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينبغي أن يذكر بعد بيان الخيط الأبيض بقوله: (مِنْ الْفَجْرِ) بيان الخيط الأسود بقوله: "من غبش الليل"، فاكتفى بأحدهما؛ لما يلزم من بيان أحد المختلطين بيان الآخر.
قوله: (ويجوز أن تكون (مِنَ) للتبعيض)، والضمير في "لأنه" راجع إلى قوله: "أول ما يبدو"، فعلى هذا يكون (مِنْ الْفَجْرِ) بدلاً من الخيطين، أي: يتبين لكم بعض الفجر، وهو أول ما يبدو.
قوله: (أخرجه من باب الاستعارة)؛ لأن الاستعارة هي: أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويراد به الطرف الآخر. وههنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض المشبه به، وهما مذكوران فلا يكون استعارة.
فإن قلت: هب أن ذكر (مِنْ الْفَجْرِ) أخرجه من الاستعارة لذكر المشبه، لكن بقي الخيط الأسود على الاستعارة لترك المشبه، كقولك: رأيت أسداً يرمي؟ قلت: لما كان في الكلام ما دل عليه، فكأنه ملفوظ كقولها:
أسد علي وفي الحروب نعامة
وإليه الإشارة بقوله: "لأن بيان أحدهما بيان للثاني".
قوله: (هي أبلغ من التشبيه)، وذلك أن في التشبيه اعترافاً بكون المشبه به أكمل من المشبه في الوجه، وفي الاستعارة ادعاء أنهما جنس واحد.