كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وأدخل في الفصاحة! قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (مِنَ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (مِنَ الْفَجْرِ) فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة. فإن قلت: فكيف التبس على عدىّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبرته،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يدل عليه) أي: على كونه مستعاراً.
قوله: (ولو لم يذكر (مِنْ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران) جواب، لكنه غير تام لكون العدول من الاستعارة التي هي أبلغ إلى التشبيه، الذي هو أدنى لفقدان القرينة، لا يمهد العذر، على أن القرائن كثيرة، نحو أن يقال: حتى يتفلق لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو يشرق أو يطلع، ونحوهما، لكن الجواب الكافي أن يقال: إن العدول إليه وإن كان تشبيهاً لكنه بليغ لا يقصر عن مرتبة الاستعارة؛ لأنه واقع على طريق التجريد، كأنه جرد من الفجر نفس الخيط، كقولك: رأيت أسداً منك، وهو المراد بقوله: "فكان تشبيهاً بليغاً".
قوله: (عمدت على عقالين أبيض وأسود) الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي بن حاتم: لما نزل (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" وفي رواية البخاري: قال: "إن وسادتك إذاً لعريض، أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك"، وفي رواية أخرى أنه قال: "إنك إذاً لعريض القفا".

الصفحة 250