كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبى علىّ وأبى هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة)، هذا يؤذن أن التشبيه ليس بحقيقة، وقد قيل: إن ألفاظ التشبيه كلها مستعملة فيما وضع لها، نحو: زيد كالأسد في الشجاعة، لكن مفهوم المشبه به، وهو الخيط الأبيض والخيط الأسود، غير مراد فيما أجرى الكلام له، ولذلك قال: "وهي غير مرادة".
قوله: (فلم يصح عندهم هذا الحديث) والحديث رواه البخاري ومسلم، فكيف يقال: لم يصح.
قوله: (لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب)، قيل: وفيه نظر؛ لأن من يجوز تأخير البيان يحمله على ظاهره لعدم القرينة الصارفة حينئذ، وأجيب: أنك إذا أردت بالقرينة: القرينة التفصيلية، فمسلم، ولكن لا يلزم من عدمها جواز الحمل على الظاهر، وإن أردت الإجمالية فلا نسلم انتفاءها، فإن البليغ لا يرضى بمثل هذا التركيب، ألا ترى كيف عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم عدياً حين حمله على الظاهر! على أن سياق الكلام ومساقه حديث في شأن الصوم وبيان ابتدائه وانتهائه من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) إلى قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ).
قوله: (فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان)، ووجهه أن معنى قوله: (ثُمَّ