كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما يصعد فيه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم: (لَيْسَ الْبِرُّ) بتحرّجكم من دخول الباب (وَلكِنَّ الْبِرَّ) برّ (مَنِ اتَّقى) ما حرّم اللَّه. فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة، وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: معلوم أنّ كل ما يفعله اللَّه عز وجل لا يكون إلا حكمة بالغة، ومصلحةً لعباده، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدةٍ تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برّا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قيل) إلى قوله: "معلوم أن كل ما يفعله [الله] تعالى لا يكون إلا حكمة بالغة"، هذا الجواب من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غير السؤال لينبهه على تعديه من موضع سؤال هو أليق بحاله وأهم له إذا تأمل، وإليه الإشارة بقوله: "فدعوا السؤال عنه وانظروا في هيئة واحدة تفعلونها".
والجواب الثاني من باب الاستطراد، وذلك أن السؤال لما كان عن الأهلة، وأجيبوا عن الميقات، وبعض المواقيت ميقات الحج، أورد بعض أفعالهم التي كانوا يفعلونها فيه.
والجواب الثالث: من باب السؤال مما لا يستحق الجواب؛ لأن الواجب عليكم أن تسألوا عما يهمكم من منافع الأهلة وفوائدها لتعملوا بمقتضاها، فعكستم وسألتم عن أحوالها، أي: مثلكم في العدول عن الطريق المستقيم كمن لا يدخل من باب بيته ويدخله من ظهره، ويمكن أن يجعل هذا الجواب أيضاً من باب الأسلوب الحكيم.
والجواب الثاني أوفق لتأليف النظم؛ لأنه تعالى لما استطرد عملاً من أعمالهم في الحج، وقبح فعلهم وبين أن التقوى في عكس ذلك، عم التقوى بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فاندرج فيها جميع ما يجب أن يعتبر فيها من الأفعال والتروك فعطف على (وَاتَّقُوا) بعض ما كان مشتملاً عليه، وهو القتال ليشير إلى أنه مهتم بشأنه بحسب اقتضاء الوقت، فالعطف من باب قوله تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن: 68].

الصفحة 259