كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

ويجوز أن يجرى ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج؛ لأنه كان من أفعالهم في الحج، ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى: ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يحسر على مثله، ثم قال: (وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) أي: وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها، ولا تعكسوا. والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال اللَّه حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة، ولا اعتراض شك في ذلك، حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الابهام بمقارفة الشك؛ (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: 23].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: العلوم ضربان: دنيوي يتعلق بأمر المعاش، كمعرفة الصنائع ومعرفة الأجرام السماوية والمعادن والنبات وطبائع الحيوان، وقد جعل الله لنا سبيلاً إلى معرفته على غير لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وشرعي، وهو البر، ولا سبيل إلى أخذه إلا من النبي، فلما سألوا عما أمكنهم معرفته أجابهم بما أجاب، ثم قال: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) أي: بأن تطلبوا الشيء من غير بابه، يقال: فلان أتى البيت من بابه: إذا طلب الشيء من وجهه. قال الشاعر:
أتيت المروءة من بابها
فجعل ذلك مثلاً لسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما ليس من العلم المختص بالنبوة؛ لأن ذلك عدول عن المنهج.
قوله: (بمقارفة الشك)، الجوهري: هو من: قارف فلان الخطيئة، أي: خالطها.

الصفحة 260