كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وقال ابن ميادة:
وَمَا هجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ... عَليْكَ وَلَا أَنْ أحْصَرَتْكَ شَغُولُ
وحُصر؛ إذا حبسه عدوّ عن المضيّ أو سجن، ومنه قيل للمحبس: الحصير، وللملك: الحصير؛ لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما هجر ليلى) البيت، يقول: ليس الهجر هو صدود الحبيبة وتباعدها لحاجة من جانبها أو منع وحبس من جانبك، وإنما الهجر: صدودها عن اختيار منها.
قوله: (وللملك: الحصير)، وأنشد الراغب قول لبيد:
ومقامة غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام
أي: لدى باب سلطان، وتسميته بذلك إما لكونه محصوراً، أو محجوباً، وإما لكونه حاصراً، أي: مانعاً لمن أراد الوصول إليه، وإن الحصير سمي بذلك لحصر بعض طاقاته على بعض، والإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) محمول على الأمرين.
قوله: (هذا هو الأكثر في كلامهم) والمشار إليه بلفظة "هذا" هو المذكور، يعني: ما ذكرت من الفرق أكثر استعمالاً من أن يكونا بمعنى واحد، ثم قال: "وهما- أي: أحصر وحصر- بمعنى المنع في كل شيء"، يعني: هما بمعنى واحد من غير تفرقة، "كقولهم: صده وأصده، وعليه قول الفراء وأبي عمرو وابي حنيفة رحمهم الله"، ويدل على هذا التأويل قول الزجاج:

الصفحة 276