كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

وعندهما في أيام النحر، وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقتٍ عندهم جميعاً، «ما استيسر» رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر، أو نُصب على: فاهدوا ما استيسر. (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) الخطاب للمحصرين، أي: لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ (مَحِلَّهُ)، أي: مكانه الذي يجب نحره فيه. ومحل الدين: وقت وجوب قضائه، وهو ظاهر على مذهب أبى حنيفة رحمه اللَّه. فإن قلت: فإنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم نحر هديه حيث أحصر. قلت: كان محصره طرف الحديبية .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعندهما) أي: عند مالك والشافعي، وقيل: عند محمد وأبي يوسف، فهما لم يخالفا في المكان وخالفا في الزمان، يعني: مع أبي حنيفة رضي الله عنه، وفي "صحيح البخاري": قال مالك رضي الله عنه وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً أن يقضوا شيئاً ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم.
قوله: (ومحل الدين وقت وجوب قضائه) يعني: لفظ الحل مشترك يطلق على المكان والزمان، والذي عليه الكلام ها هنا المكان، لأن المراد: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب نحره فيه، وهو المراد من قوله: "وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله".
قال الإمام: قالت الحنفية: إن المحل، بالكسر هنا: عبارة عن المكان؛ لأن قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يدل على أنه الآن غير بالغ إلى مكان حله، ولو جعل للزمان لكان بالغاً محله في الحال، وهو أن يذبح متى أحصر، ثم قال: هب أن المحل يحتمل المكان والزمان، إلا أنه تعالى أزال الاحتمال بقوله: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 33]، وبقوله:

الصفحة 280