كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العدو عند مالك والشافعي، لقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ)، ولنزوله في الحديبية.
قلت: لأن لفظ الأمن أكثر ما يستعمل حقيقة فيما يقابل الخوف. الأساس: هؤلاء قوم مستأمنة، ويقول الأمير للخائف: لك الأمان، إني قد أمنتك، ويقال: ويأمنه الناس ولا يخافون غائلته.
وأما قضية النظم، فإنه تعالى ابتدأ بإتمام الحج والعمرة، ثم جاء بقوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) وقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ) تفصيلاً لبيان المانع من الإتمام، ورتب على كل منهما ما يجبر به النقصان من قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، والمعنى: وأتموا الحج والعمرة، أي: ائتوا بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، فإن منعكم العدو بأن لم تتمكنوا على شيء من ذلك، فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإن لم يمنعكم وأنتم في حال أمن منهم ولكن أردتم تمتع ميقات فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإنما أوثر "إذا" في جانب الأمن على "إن" ليؤذن أن ذلك الإحصار، أعني يوم الحديبية، لا اعتبار له، وأن أغلب أحوالكم بعد ذلك الأمن والغلبة والتمتع كيف شئتم، هذا هو النظم السري، وقد ظهر من هذا التقرير أن خوف العدو من الإحصار والأمن منه، الغالب أن يختص بالآفاقي، وأن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) في قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا كان هو الحكم الذي هو وجوب الهدي، والصيام كان أولى مما إذا قيل: المشار إليه هو التمتع، لما يعلم من الأول مسألة زائدة، ومن الثاني يلزم التكرار، فعلم من هذه الإشارة مسألة عدم لزوم الهدي وبذله على أهل الحرم إذا كان متمتعاً على سبيل الإدماج، كما علم من قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) مسألة لزوم الكفارة على المريض والمتأذي من الرأس على سبيل الاستطراد، ليجتمع في الآية عدة مسائل في كفارة الحج.

الصفحة 283