كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 3)
(فَلا رَفَثَ): فلا جماع؛ لأنه يفسده، أو: فلا فحش من الكلام، (وَلا فُسُوقَ): ولا خروج عن حدود الشريعة. وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب، (وَلا جِدالَ): ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال؛ لأنه مع الحج أسمج؛ كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا جماع، أو: فلا فحش)، الأول: كناية، والثاني: حقيقة، في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187]، وأما حمل الفسوق على السباب والتنابز فمن قوله تعالى: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) [الحجرات: 11].
قوله: (والتطريب في قراءة القرآن)، يعني: مثل ما يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ في المجالس من الألحان الأعجمية، قاله صاحب "جامع الأصول"، وأما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب إليه، روينا عن أبي داود، والدارمي، والنسائي، وابن ماجة، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وفي رواية للدارمي: "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً"، وعن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع.